عباس حسن

390

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

ثانيهما : تمييز الجملة وهو الذي يزيل الغموض والإبهام عن المعنى العام بين طرفيها ، وهو المعنى المنسوب فيها لشئ من الأشياء ، ولذلك يسمى أيضا : « تمييز النسبة » ، وقد سبقت الأمثلة للنوعين . تقسيم تمييز الجملة بحسب أصله : ينقسم تمييز الجملة ( دون تمييز المفرد ) إلى ما أصله فاعل في الصناعة « 1 » وإلى ما أصله مفعول به كذلك . ويرى أكثر النحاة أنّ تمييز الجملة لا يخرج - في الغالب - عن واحد من هذين ، ( ولو تأويلا ) « 2 » ؛ مثل : زادت البلاد سكانا - اختلف الناس طباعا - قوى الرجل احتمالا ، ومثل : أعددت الطعام ألوانا - وفيت العمال أجورا - نسقت الحديقة أزهارا . فالأصل : زاد سكان البلاد - اختلفت طباع الناس - قوى احتمال الرجل . فتغير الأسلوب ؛ بتحويل الفاعل تمييزا . وقد كان الفاعل مضافا ؛ فأتينا بالمضاف إليه ، وجعلناه فاعلا ، بعد أن صار الفاعل تمييزا بالصورة السالفة . والأصل في الأمثلة الباقية : أعددت ألوان الطعام - وفيت أجور العمال - نسقت أزهار الحديقة ؛ فتغير الأسلوب ؛ بتحويل المفعول به تمييزا ، وقد كان هذا المفعول مضافا ، فأتينا بالمضاف إليه ، وجعلناه مفعولا به ، بعد أن صار المفعول به السابق تمييزا . أما تمييز المفرد فلا تحويل فيه مطلقا .

--> ( 1 ) أي : فاعل لفعل أو ما يشبه الفعل مما يحتاج لفاعل بمقتضى الأصول النحوية وصناعتها . والتقييد بأن الفاعل المعنوي أصله فاعل في الصناعة تقييد ضروري ؛ لإبعاد ما هو فاعل في المعنى دون الصناعة ؛ نحو : للّه درّك فارسا ، وأبرحت جارا ( أي : أعجبت ؛ يقال : أبرح الرجل ، إذا جاء بالبرج - بسكون الراء - أي : بالعجب ) . فإن معناهما : عظمت فارسا ، وعظمت جارا ، ولكنهما غير محولين أصلا عن الفاعل الصناعي ، ولهذا يجوز جرهما بالحرف : « من » ؛ نحو : للّه درك من فارس . ونحو : أبرحت من جار ، في حين التمييز المحول عن الفاعل الصناعي يجب نصبه ، ولا يجوز جره بمن . - انظر « ج » من ص 397 - وكذلك : ما أحسن المهذب رجلا ، فإنه مفعول في المعنى . لكنه غير محول ؛ لأنه عين ما قبله ، ولهذا يصح جره أيضا بمن . انظر ما يتصل بفعل التعجب في هامش ص 394 . أما نحو : نعم رجالا الزراع ، فقد رأى بعض النحاة في التمييز أنه محول عن الفاعل الصناعي ؛ فيجب نصبه . ورأى آخرون أنه غير محول فيجوز فيه النصب أو الجر بمن ، والرأي الأول أقوى . ( راجع : « ج » من ص 397 ) . ( 2 ) راجع « ا » ، و : « ب » من الزيادة والتفصيل ( ص 397 ) حيث الكلام على التأويل ، ونوع من التفضيل .